الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية "عديمو الجنسية" في مدنين.. رضع وأطفال في طيّ النسيان

نشر في  21 فيفري 2020  (13:27)

 احتملت العراقيل ولم تحتملها الحياة، احتملت الظلم والتهجير ولم تحتملها القوانين والاتفاقيات. هي حواء، شابة مسلمة اختارت تونس لتحمي جنينها فكان رقما في دفتر "عديمي الجنسية".

تبلغ حواء 35 سنة، وهي إيفوارية الجنسية، متزوجة ولها طفلان تركتهما في بلدها الأم وغادرت إلى ليبيا على أمل أن تفتح لها الحياة أبوابا جديدة ولكنها اضطرت في النهاية الى الفرار إلى تونس لإنقاذ نفسها ومن في بطنها غير مدركة الصعوبات الادارية التي سيعرفها تسجيل محمد في دفتر الولادات.

يعيش في ولاية مدنين جنوب تونس رضع دون هوية أو كما يُطلق عليهم اسم "عديمي الجنسية"، الرضيع محمد-د واحد من بين العشرات الذين قادتهم الأقدار إلى تونس والذين يقع ترسيمهم مع شطب خانة الجنسية.

عديمو الجنسية، ملف نطرحه اليوم لما يمثله من خطر على مستقبل هؤلاء الأطفال موّفرا بيئة حاضنة لكل أنواع التمييز والعنف والإتجار بالبشر في ظل التعقيدات للحصول على جنسية البلد الأم أو بلد الإقامة وهذا يرجع إلى النظام القانوني المتبع بدولة الاستقبال.

التقينا حواء بعد شهر من الانتظار والاتصالات المتكررة، توجهنا إلى مكان بعيد عن الأعين لاحتساء فنجان قهوة والحديث بأريحية، كان رضيعها يغط في نوم عميق ولا يعلم بعد أنه "مشروع إنسان في طيّ النسيان".

قالت حواء "في ليبيا لا خيار أمامنا سوى الموت عند الولادة"، حيث يمنع على أصحاب البشرة السوداء الولادة في المستشفيات العمومية الليبية، وإن قبلتهم الإدارة فإن الطبيب سيكون حتما دون أقدمية مهنية وهو ما تسبب في وفاة العديد من النساء.

أكملت محدثتنا سرد قصتها قائلة "صديقتي توفيت في المنزل لأن زوجها اضطر إلى توليدها بعد رفض المستشفى قبولها، وأخرى توفيت على يد شاب متربص، هذا فعلا أمر محزن".

الولادة في ليبيا للأفريقيات لا تقتصر على الرفض وإنما تتجاوز ذلك بانتهاك حقوقهن بتعمد بعض الأطباء توليد المرأة وافتكاك رضيعها إن كان ولدا أما إن كانت بنتا فمصيرها مجهول حسب رواية محدثتنا.

تونس الملجأ... هكذا يقولون..

"الفرار إلى تونس كان قرارا وليس اضطرارا"، هكذا شرحت حواء وجودها في ولاية مدنين التونسية، فرحلتها إلى هنا عبر الحدود الليبية كانت شاقة وهي في الشهر الثامن من الحمل بعد تسليم المهرب مبلغ ألف دينار وكل أوراقها وهويتها.

طلبت حواء مني أن ألف قطعة الخبز المحشوة بالجبن وتناولت في الاثناء عصير البرتقال، كنت أنظر إليها وإلى الطفل وأتساءل عن مصيره وهو مسجل اليوم في المنظومة التونسية من بين عديمي الجنسية.

قطع بكاء الرضيع أفكاري وبينما كانت حواء بصدد إرضاعه واصلت حديثها عن الرحلة، فالمهرب تمكن من إيصالها الى الحدود التونسية حيث بقيت تصارع رياح الصحراء نهارا وظلمة ليلها البارد لأربعة 4 أيام إلى أن ألقي القبض عليها ومن معها من قبل الجيش الوطني بقطاع بن قردان من ولاية مدنين.

وهي ضاحكة استحضرت ضيفتنا كواليس لقائها بالجيش الوطني قائلة "لقد كانوا جيدين معي، أطعموني ومن ثمة سلموني إلى الحرس الوطني"، كانت حواء مصرة خلال القبض عليها على لقاء الهلال الأحمر وأكدت في تصريحاتها للجيش والحرس الوطنيين أنها فرت من ليبيا بهدف ولادة رضيعها في تونس ولكن هل كانت تعلم أنه بهذا القرار سيحرم من حقه الكوني؟

عديمو الجنسية، صراع الهوية في الدقيقة 90

تمثل اتفاقية 1954 بشأن وضع الأشخاص عديمي الجنسية واتفاقية 1961 بشأن خفض حالات انعدام الجنسية صكوكاً قانونية رئيسية في حماية الأشخاص عديمي الجنسية حول العالم وكذا لحماية عديمي الجنسية والعمل على خفض حالاتها. وفي الوقت الذي تكمل فيه الاتفاقيتان معايير المعاهدات الإقليمية والقانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن اتفاقيتي انعدام الجنسية تمثلان الاتفاقيتين الدوليتين الوحيدتين من نوعيهما.

تنقلنا إلى المستشفى الجامعي بمدنين لفهم الإجراءات المتبعة عند قبول مهاجرة غير نظامية النظاميين دون وثائق هوية للولادة ليتبين لنا أنها كأي امرأة متزوجة أو عزباء مهما كانت جنسيتها يقع تدوين معطيات حسب ما تدلي به ويبقى الاستثناء في خانة الجنسية التي تبقى فارغة بالنسبة للرضيع لعدم توفر الوثائق.

كان لابد من التوجه إلى الدائرة البلدية بمدنين اين يتكفل الهلال الأحمر التونسي بالإعلام لترسيم الولادات الخاصة بالأفارقة وكانت صدمتنا مضاعفة، فهنا لا يوجد سجل خاص.. الجميع يُرّسمون في منظومة واحدة، هكذا أكد المسؤول الإداري بالمكان. طرحنا على محدثنا عديد الأسئلة وكان في كل مرة يعيد الإجابة نفسها مرددا "المخوّل بالإعلام يتحمل مسؤولية ما يدلي به من معطيات ونحن نكتب ما يقال لنا".

حقوق فئة مستضعفة وأزمة إثبات الجنسية...

يبدو أن المسؤول الإداري لاعلم له بوضعية هذه الفئة المستضعفة في تونس حتى أنه لم يكن يدرك الفرق بين اللاجئ والمهاجر غير الشرعي الذي يعيش في مدنين دون هوية كاملة. وببحثنا توصلنا إلى أنّ الهلال الأحمر بولاية مدنين يتكفل بعملية ترسيم الرضع من الجنسية الأفريقية ويواجه في الاثناء أزمة إثبات جنسيتهم ليبقى مصيرهم مجهولا أمام عدم الاعتراف بهم في تونس لتعقيدات قانونية بحتة في علاقة بمنظومة الإيواء.

حاولنا طيلة مدة العمل الحصول على معطيات دقيقة وأعداد الرضع عديمي الجنسية إلا أنه يصعب حصر ذلك لعدة أسباب منها عدم توفر هيكل رسمي من الدولة مكلف بالتدقيق ورفع التقارير للسلط المعنية علما أن تونس  مصنفة كأول وجهة هروب من ليبيا بالنسبة للأفارقة.

مشكل دولي إقليمي...ولكن

دعت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واليونيسيف في جينيف يوم 14 فيفري 2020 الدول والمنظمات الإقليمية إلى إتخاذ إجراءات عاجلة لضمان عدم ولادة أي طفل أو بقائه دون جنسية في أوروبا، وهو ما يؤكد أن تونس عليها بالإنخراط لضمان حقوق أطفال أبرياء شردتهم الحروب وتخاذل حكامهم.

يعتبر تحقيق الهوية القانونية للجميع عبر تسجيل المواليد أحد أهداف جدول أعمال التنمية المستدامة لعام 2030 وتعمل اليونيسف على ضمان تسجيل جميع الأطفال عند الولادة، في حين تهدف حملة المفوضية #أنا_أنتمي إلى وضع حد لحالة انعدام الجنسية والتي يطال تأثيرها ملايين الأشخاص حول العالم بحلول عام 2024.

نعيمة خليصة